فوائض كبيرة في الميزانيّة العامّة: من سيستفيد منها؟ -- Feb 05 , 2026 20
ابتداءً من مطلع الشهر الحالي، دخلت السياسة الماليّة للدولة اللبنانيّة مرحلةً جديدة، بعد إقرار موازنة العام 2026، مع ما تضمّنته من زيادات في الاعتمادات المرصودة للإنفاق العام. وبطبيعة الحال، جاءت هذه الزيادة في الإنفاق بعدما حقّقت الميزانيّة العامّة ارتفاعات وازنة في الإيرادات العامّة، وهو ما سمح بتحقيق فوائض كبيرة في الميزانيّة العامّة خلال العامين الماضيين. وبهذا المعنى، ستحدّد موازنة العام الحالي أبواب الإنفاق التي ستستفيد من الزيادة في الإيرادات، ومن فوائض الميزانيّة. فما قيمة هذه الفوائض؟ وكيف ستؤثّر على نفقات القطاع العام خلال هذا العام؟
خلال العام 2024، كان من المتوقّع أن تجبي الدولة -وفق موازنة ذلك العام- قرابة الـ 3.45 مليار دولار أميركي، منها نحو 2.72 مليار دولار أميركي من الإيرادات الضريبيّة، وحوالي 730.1 مليون دولار أميركي من الإيرادات غير الضريبيّة (مثل إيرادات القطاع الخلوي مثلاً). النتائج الفعليّة جاءت قريبة من توقّعات الموزنة، حيث تمكنت الدولة من تحصيل إيرادات بقيمة 3.42 مليار دولار أميركي، ما يؤشّر إلى دقّة التوقّعات المُحدّدة سابقاً في قانون الموازنة.
غير أنّ قيمة الإنفاق العام جاءت أقل من المتوقّع خلال تلك السنة. فموازنة العام 2024 رصدت نفقات عامّة بقيمة 3.45 مليار دولار أميركي، أي بقيمة موازية لقيمة الإيرادات العامّة المرتقبة. لكن من الناحية العمليّة، لم يُنفق القطاع العام خلال تلك السنة أكثر من 2.91 مليار دولار أميركي، وهو ما يؤشّر إلى ضعف فعاليّة الإنفاق حيث لم تتمكن الإدارات العامّة من استعمال الاعتمادات المرصودة لها أساساً.
في النتيجة، سجّلت الميزانيّة العامّة للدولة اللبنانيّة فائضًا بقيمة 507.1 مليون دولار، أي أنّ حجم الإيرادات تجاوز حجم النفقات العامّة بهذا الحجم. مع الإشارة إلى أنّ حجم الفائض الأولي، أي الفائض قبل احتساب خدمة الدين العام، قارب حدود الـ 899.2 مليون دولار أميركي. وبهذا الشكل، يكون الفائض قد تحقّق من ضعف أداء الإدارة الحكوميّة، مقارنة بالمتوقّع، لا من زيادات غير مرتقبة في الإيرادات العامّة.
عام 2025، اختلف الوضع إلى حدٍ ما. فإجمالي النفقات العامّة المرصودة في موازنة العام بلغ حدود الـ 5 مليار دولار أميركي. وخلال ذلك العام، تمكّنت الإدارات العامّة من استعمال هذه المبالغ المرصودة، ما عكس زيادة في فعاليّة عمل القطاع العام خلال تلك الفترة. إلا أنّ المفاجأة تمثّلت في حجم الإيرادات المُحقّقة خلال تلك السنة، والتي ناهزت حدود الـ 6 مليار دولار أميركي، وهو ما تجاوز بنحو مليار دولار حجم الإيرادات المتوقّعة في الموازنة (كانت الموازنة قد رصدت نفقات بقيمة توازي حجم الإيرادات المتوقعة، عند حدود الـ 5 مليار دولار أميركي).
لهذا السبب، حقّقت الميزانيّة العامّة خلال العام 2025 فائضاً بقيمة مليار دولار أميركي، وهو ما يوازي نحو 20 بالمئة من إجمالي حجم الموازنة العامّة. وبهذا الشكل، جاء الفائض نتيجة الزيادة غير المتوقعة في الإيرادات، ونتئجة الأداء المتقدّم للسلطات الضريبيّة، وليس بفعل ضعف أداء الإدارات العامّة وانخفاض فعاليّة الإنفاق كما كان الحال في العام السابق 2024.
وبفعل هذه الأرقام، تمكّنت وزارة الماليّة من رفع حجم موازنة العام 2026 بنحو مليار دولار، بعدما زادت قيمة الإيرادات والنفقات المُقدّرة إلى 6 مليار دولار أميركي (مقارنة بـ 5 مليار دولار أميركي خلال العام 2025). أي بعبارة أخرى، رفعت وزارة الماليّة تقديراتها لإيرادات ونفقات السنة الحاليّة، لتستفيد من الزيادة المُحقّقة بالفعل في الإيرادات السنويّة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الزيادة المُحقّقة في الإيرادات عكست نتائج بعض الخطوات التي قامت بها وزارة الماليّة مؤخراً، وعلى رأسها إجراءات مكافحة التهرّب الضريبي والجمركي. ومن هذه الإجراءات مثلاً، فرض الحجر الجمركي على الشركات المُتخلّفة عن سداد مُستحقات ضريبة الدخل، وتجهيز المعابر الحدوديّة بأجهزة سكانر لتشديد الرقابة على السلع المستوردة. ومن المعلوم أنّ الإيرادات الجمركيّة كانت قد ارتفعت خلال العام 2025 لتوازي نحو 2.27 مليار دولار أميركي، مقارنة بـ 1.67 مليار دولار أميركي خلال العام السابق، ما يؤشّر إلى الدور الذي لعبته هذه الفئة من الإيرادات في تحقيق الفائض في الميزانيّة العامّة.
مراجعة موازنة العام الحالي، تُظهر أنّ وزارة الماليّة طلبت زيادة بند مخصّصات الرواتب والأجور وملحقاتها بنسبة 37 بالمئة، خلال هذا العام. كما تُظهر أنّ بند المنافع الاجتماعيّة قد جرى ارتفع بنسبة 25 بالمئة. مع الإشارة إلى أنّ نقاشات لجنة المال والموازنة أفضت إلى إضافة اعتمادات جديدة لإعادة الإعمار، ليصبح مجموع الاعتمادات المخصّصة لهذا الغرض نحو 89 مليون دولار. وبهذا الشكل، يمكن القول أن الغالبيّة الساحقة من الزيادة في إجمالي الإنفاق العام ذهبت لتمويل ثلاثة بنود في الموازنة: الرواتب والأجور وشبكات الحماية الاجتماعيّة وإعادة الإعمار. وفي حال سجّلت الميزانيّة العامّة نفس حجم إيرادات العام الماضي، ستكون قد حقّقت توازناً ما بين إجمالي النفقات والإيرادات.
في جميع الحالات، تبقى المسألة الأهم مصير الزيادات المرتقبة على معاشات المتقاعدين ورواتب العاملين في القطاع العام، والتي وعد بالبت بها وزير الماليّة ياسين جابر، في موعدٍ أقصاه نهاية الشهر الحالي. والسؤال الأهم، يتمحور حالياً حول نوعيّة الإيرادات التي يمكن تأمينها مستقبلاً، للتمكّن من تمويل هذه الزيادات. مع العلم أنّ الفوائض المُحققة سابقاً في الميزانيّة العامّة سمحت للدولة بمراكمة ودائع في حساباتها لدى مصرف لبنان، ما يسمح بتمويل زيادات الرواتب والمعاشات خلال فترة انتقاليّة، بالتوازي مع جباية الإيرادات الإضافيّة المطلوبة.
علي نور الدين- المدن